نور الدين عتر

211

علوم القرآن الكريم

الوجه الثاني : القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى : وهما نهايتان في اتجاهين متضادين ، لا يقبل المرء على إحداهما إلا ابتعد عن الأخرى ، ذلك أن البليغ إما أن يؤدي مراده جملة مختصرا ، مقلّا من الألفاظ فلا بد أن يحيف على المعنى قليلا أو كثيرا ، وإما أن يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره وإبراز كل دقائقه ، فلا يجد بدا من أن يمدّ في نفسه مدا ، لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة . ولئن وفق البليغ لتقريب هاتين الغايتين تقريبا ما في جملة أو جملتين ، فلا يلبث أن يدركه الكلال والإعياء ، وضعف الطبع الإنساني فلا يسترجع قوته إلا في الشيء بعد الشيء ، كما تصادف في التراب قطعة من التبر هاهنا وقطعة هنالك ، فتقول هذا نفيس جيد ، وهذا أنفس وأجود . . . وقد أجمع نقّاد الشعر والنثر على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة من قصائد معدودة ، ثم وراء ذلك الوسط والرديء والغثّ والمستكره . . . أما القرآن الكريم فقد جاء البيان فيه مقدرا أحسن تقدير ، فلا تحسّ فيه بالإسراف ولا بالتقتير ، فهو يؤدي لك الصورة وافية نقية لا يشوبها شيء مما هو غريب عنها ، ولا يشذ عنها شيء من عناصرها وكمالها ، كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه ، كما قال الإمام أبو بكر الباقلاني : « محاسن تتوالى ، وبدائع تترى » . ولنزيدك إيضاحا في هذا فخذ ما شئت من القرآن ، واحص كلماته عدّا ، ثم احص مثل عددها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن المصحف ، وانظر ما حواه هذا الكلام من المعاني ، وقايسه إلى ذلك ، ثم انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها من غير القرآن أو يمكن أن تبدلها بأخرى غيرها دون إخلال بغرض قائله ؟ وانظر مقابل ذلك أي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من القرآن ؟ ؟ لما وجدت لذلك سبيلا في القرآن ، بل إن كتاب اللّه تعالى - كما